ابن أبي مخرمة

545

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

منها : أنه ضرب في الهندي بميل حديد حتى أفناه ؛ أي : لم يبق منه ما يمكن لزومه بالأصابع للضرب . ومنها : أنه سقط في بئر جامع الجند المسماة : زمزم ، وهي بعيدة الغور ، فدلي له حبل يطلع عليه ، فتعلق ونزع ، فلما صار قريبا من رأس البئر . . انقطع به الحبل ، فوقع في قعر البئر ، وهكذا ثلاث مرات كلما تعلق بالحبل وصار قريبا من رأسها . . انقطع الحبل وعاد إلى مكانه ، ثم أخرج في الرابعة سالما ليس به بأس . ومنها : أنه خرج يوما من سير إلى الصردف ، فوجد لصوصا قد أخذوا ثورا وهم يسوقونه وقد خرج أصحاب الثور بعدهم ، فلما أحس اللصوص بالغارة . . قالوا للفقيه : يا شيخ ؛ سق لنا هذا الثور إلى أن نقضي حاجة ، فساقه ولا علم له بقضيتهم ، فلحقه سرعان الغارة وأساءوا إليه في القول والفعل ، وبطشوا به ، ووصل بعدهم من عرفه ، فكفوهم عنه ، وسألوه عن القصة ، فأخبرهم الحال ، وتحققوا صدقه ، فاعتذروا إليه وأكرموه ، واعتذر إليه المسرعون ، وسألوه الصفح عنهم ، ففعل . ومنها : أن شخصا من الجن كان يقرأ عليه ، فبينا هو عنده يوما في حلقة القراءة ؛ إذ مر بهم محنش ، وهو الذي يصيد الحنشان ويلعب بهم ولا يضره منهم شيء ، فقال الجني للفقيه : أريد أن أتصور له حنشا ، فإن هو أمسكني . . فأنقذني منه ، ولا تدعه يذهب بي ، فنهاه الفقيه ، فلم ينته ، فتصور حنشا ، وتعلق بخشبة بالسقف ، فطلب أحد الطلبة المحنش وأراه الحنش في السقف ، ففتح المحنش جونته ، وتلا ما يعتاد تلاوته من الرقى والعزائم ، فانخرط الحنش واقعا في الجونة ، فأطبقها عليه المحنش واحتملها يريد الخروج به ، فلازمه الجماعة وقالوا : هذا جار الفقيه منذ زمن طويل ، وإنما دعاك ليختبر صدقك وجودة صنعتك ، فتأبّى ، فافتداه الفقيه منه بشيء فأطلقه ، فغاب الجني عن مجلس الفقيه خمسة عشر يوما ، ثم وصل إليه وبه ضعف ظاهر ، وفي جسمه ندوب كإحراق النار ، فسأله عن حاله فقال : لما رآني المحنش وتلا ما تلاه من العزائم والرقى قبالتي . . رأيت البيت كأنه امتلأ نارا ، وليس لي خلاص غير الوقوع في الجونة فدخلتها ، وأنا من ذلك الوقت مريض ، فقال له الفقيه : قد كنت نهيتك ، فلم تنته . قال الجندي : ( توفي بالصردف على رأس الخمس مائة ) « 1 » .

--> ( 1 ) « السلوك » ( 1 / 247 ) .